السيد كمال الحيدري
108
الإنسان بين الجبر والتفويض
خالق واحد هو الله وحده دون سواه . يقول سبحانه : اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء ( الرعد : 16 ) . أجل ، إنّ القرآن الذي يتبنّى نظرية وحدة الخالق ينسب أحياناً الخلق إلى آخرين ، بيدَ أنّه يقيّد ذلك بأن يكون بإذن الله سبحانه ، كما هو الحال في مثال عيسى الذي خاطبه الله بقوله : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي ( المائدة : 110 ) ، وقوله سبحانه على لسان عيسى : أَنّي أَخْلُقُلَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ ( آل عمران : 49 ) . هذه الثنوية في الخلق التي ذهبت إليها المفوّضة ، ربما كانت هي السبب وراء إطلاق وصف المجوس عليهم في روايات عديدة ، مثل قول النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله : « القدرية مجوس هذه الأمّة » « 1 » ، وفي حديث آخر عنه صلّى الله عليه وآله : « لكلّ أمّة مجوس ، ومجوس هذه الأمّة الذين يقولون لا قدر ، ويزعمون أنّ المشيّة والقدرة إليهم ولهم » « 2 » . إذ المعروف أنّ المجوس تذهب إلى وجود إلهين أحدهما خالق الخير والآخر خالق الشرّ ، والمفوّضة انحدرت إلى هذه الهوّة السحيقة ذاتها ، حينما أشركت مع الله سواه ، وزعمت تعدّد الخالقين ، بحيث يكون للإنسان خالق ، وللفعل الإنساني خالق آخر « 3 » .
--> ( 1 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 5 ، ص 6 ، ح 4 . ( 2 ) المصدر نفسه : ص 197 ، ح 14 . ( 3 ) ينظر بشأن هذه النقطة خاصّة : محاضرات في أصول الفقه ، مصدر سابق : ج 2 ، ص 77 ؛ الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 100 ؛ هداية الأمّة إلى معارف الأئمّة ، مصادر سابقة ، ص 631 .